مجمع البحوث الاسلامية
327
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
البقرة : 67 ، وقد يقول السّيّد لعبده حال ما يذمّه على فعل : يا جاهل لم فعلت كذا وكذا ؟ والسّبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربّه أنّه لو استعمل ما معه من العلم بالثّواب والعقاب لما أقدم على المعصية ، فلمّا لم يستعمل ذلك العلم صار كأنّه لا علم له ، فعلى هذا الطّريق سمّي العاصي لربّه جاهلا . وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية ، سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك . والوجه الثّاني : أن يأتي الإنسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية ، إلّا أن يكون جاهلا بقدر عقابه . وقد علمنا أنّ الإنسان إذا أقدم على مالا ينبغي مع العلم بأنّه ممّا لا ينبغي ، إلّا أنّه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات ، فإنّه يصحّ أن يقال على سبيل المجاز : إنّه جاهل بفعله . والوجه الثّالث : أن يكون المراد منه أن يأتي الإنسان بالمعصية مع أنّه لا يعلم كونه معصية ، لكن بشرط أن يكون متمكّنا من العلم بكونه معصية ، فإنّه على هذا التّقدير يستحقّ العقاب ، ولهذا المعنى أجمعنا على أنّ اليهوديّ يستحقّ على يهوديّته العقاب ، وإن كان لا يعلم كون اليهوديّة معصية ، إلّا أنّه لمّا كان متمكّنا من تحصيل العلم بكون اليهوديّة ذنبا ومعصية ، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب ، ويخرج عمّا ذكرنا النّائم والسّاهي ، فإنّه أتى بالقبيح ولكنّه ما كان متمكّنا من العلم بكونه قبيحا . وهذا القول راجح على غيره ؛ من حيث أنّ لفظ « الجهالة » في الوجهين الأوّلين محمول على المجاز ، وفي هذا الوجه على الحقيقة ، إلّا أنّ على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلّا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه ، أمّا المتعمّد فإنّه لا يكون داخلا تحت الآية ، وإنّما يعرف حاله بطريق القياس ، وهو أنّه لمّا كانت التّوبة على هذا الجاهل واجبة ، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى . ( 10 : 4 ) الرّازيّ : فإن قيل : كيف قال : ( بجهالة ) ولو عمله بغير جهالة ثمّ تاب قبلت توبته ؟ قلنا : معناه بجهالة بقدر قبح المعصية وسوء عاقبتها ، لا بكونها معصية وذنبا ، وكلّ عاص جاهل بذلك حال مباشرة المعصية ، معناه أنّه مسلوب كمال العلم به بسبب غلبة الهوى وتزيين الشّيطان . ( 43 ) أبو حيّان : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ] فكلّ عاص جاهل بهذا التّفسير ، ولا تكون الجهالة هنا التّعمّد ، كما ذهب إليه الضّحّاك . [ ثمّ نقل أقوال المفسّرين في معنى « الجهالة » وأضاف : ] ويحتمل قصد الفعل والجهل بموقعه ، أي أنّه حرام ، أو في الحرمة أيّ قدر هي فيرتكبه مع الجهالة بحاله ، لا قصد الاستخفاف به والتّهاون به . والعمل بالجهالة قد يكون عن غلبة شهوة ، فيعمل لغرض اقتضاء الشّهوة ، على طمع أنّه سيتوب من بعد ويصير صالحا ، وقد يكون على طمع المغفرة ، والاتّكال على رحمته وكرمه ، وقد تكون الجهالة جهالة عقوبة عليه . ( 3 : 197 ) أبو السّعود : ( بجهالة ) متعلّق بمحذوف وقع حالا من فاعل ( يعملون ) ، أي يعملون السّوء متلبّسين بها ، أي جاهلين سفهاء ، أو ب ( يعملون ) على أنّ « الباء »